المنجي بوسنينة

147

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

الآلات وأصحاب الحيل والحركات . فقد ذكر ابن النديم علماء اليونان وبابل والهند ، ثم أتبعهم بالحديث عن طبقة محدثين من المهندسين وأصحاب الحيل والأعداد وغير ذلك ، فذكر منهم الأبحّ البغدادي . ولد الأبح البغدادي ببغداد في النصف الثاني من القرن الثاني الهجري ، وعاش في ظلّ الدولة العباسية وهي في أوج ازدهارها وقوّتها . في هذا العصر نقل العرب معارف الأمم الأخرى في العلوم المختلفة وترجموا كتبها إلى العربية ، واستوعبوا الثقافات والعلوم الفارسية والهندية واليونانيّة . وكان الخليفة المأمون قد قرب الفلاسفة والمتكلّمين وعلماء الرياضيات والطب والعلوم الأخرى ، وجمع في ( بيت الحكمة ) في بغداد أمهات الكتب العربية وغير العربية مع عدد كبير من العلماء والمفكرين والمترجمين ، كذلك جمع في بلاطه مشاهير الأعلام والمفكرين ، والأبح البغدادي ممّن قرّبهم المأمون ، فأصبحوا من جلسائه . نشأ الأبح البغدادي في هذه البيئة العلمية حيث وجد كثيرا من الكتب المترجمة عن علم النجوم مثل كتاب « عرض مفتاح النجوم » المنسوب إلى هرمس الحكيم ( ترجم عن اليونانية في أواخر الدولة الأمويّة ) ، وكتاب « الأربع مقالات » لبطليموس في صناعة أحكام النجوم ( ترجم إلى العربية في عهد الخليفة أبي جعفر المنصور ) ، وكتاب « المجسطي » لبطليموس أيضا ( ترجم عن اليونانية وكان من المراجع الأساسيّة في علم الفلك والنجوم ) ، وكتاب « السند هند الكبير » الذي ألّفه الفلكي والرياضي الهندي الشهير برهمكيت وترجمه من السنسكريتية إلى العربية الفلكي العربي الشهير محمد بن إبراهيم الفزاري بأمر من الخليفة أبي جعفر المنصور . فالأبح البغدادي يعدّ من الجيل الثاني للفلكيين الرياضيين المسلمين بعد سهل بن نوبخت الفارسي ، وما شاء اللّه بن سارية ، وأبي يحيى البطريق ، وعمر بن الفرّخان الطبري وغيرهم من فلكيي المنصور . وكانت آلات الرصد قد ظهرت في ذلك الوقت حيث كان الفزاري أوّل مسلم عمل اسطرلابا وألّف فيه كتابا ، وبذلك استفاد الأبحّ البغدادي من أجهزة الرصد الموجودة في عصره . كانت هناك أيضا مؤلفات في علم النجوم لعلماء الفلك العرب الذين سبقوا الأبحّ البغدادي واستفاد منهم مثل مؤلّفات الفزاري وأهمّها كتاب القصيدة في علم النجوم ، وكتاب المقياس للزوال ، وكتاب الزيج على سني العرب ، وكتاب العمل بالإسطرلاب وهو ذات الحلق ، وكذلك مؤلفات يعقوب بن طارق ، ومنها كتاب تقطيع كردجات الجيب ( في حساب المثلثات الكروية - والكردجة أصلها هندي ومعناها الوتر المستوي ) ، وكتاب ما ارتفع من قوس نصف النهار ، وكتاب الزيج محلول من السند هند درجة درجة ، وكتاب علم الفلك وكتاب علم الدول . كان هؤلاء العلماء ومؤلفاتهم بمثابة أساتذة للأبحّ البغدادي تعلّم منهم ووضع مؤلفاته بناء على ما قرأه من كتبهم . وكان الأبحّ البغدادي معاصرا لكثير من علماء الفلك والرياضيات والفلسفة العرب المشاهير في زمن الخليفة المأمون أمثال يعقوب بن